الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
480
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الميل إلى مفاسد كثيرة ، لأن طبع النفوس الشريرة ألا تراعي مضرة غيرها ، بخلاف النفوس الصالحة ، فالنفوس الشريرة أعمد إلى انتهاك حرمات غيرها ، ولأن الأعمال الفاسدة أسرع في حصول آثارها وانتشارها ، فالقليل منها يأتي على الكثير من الصالحات ، فلا جرم لولا دفاع الناس بأن يدافع صالحهم المفسدين ، لأسرع ذلك في فساد حالهم ، ولعم الفساد أمورهم في أسرع وقت . وأعظم مظاهر هذا الدفاع هو الحروب ؛ فبالحرب الجائرة يطلب المحارب غصب منافع غيره ، وبالحرب العادلة ينتصف المحق من المبطل ، ولأجلها تتألف العصبيات والدعوات إلى الحق ، والإنحاء على الظالمين ، وهزم الكافرين . ثم إن دفاع الناس بعضهم بعضا يصد المفسد عن محاولة الفساد ، ونفس شعور المفسد بتأهب غيره لدفاعه يصده عن اقتحام مفاسد جمة . ومعنى فساد الأرض : إما فساد الجامعة البشرية كما دل عليه تعليق الدفاع بالناس ، أي لفسد أهل الأرض ، وإما فساد جميع ما يقبل الفساد فيكون في الآية احتباك ، والتقدير : ولولا دفاع اللّه الناس بعضهم ببعض وبقية الموجودات بعضها ببعض لفسدت الأرض أي من على الأرض ولفسد الناس . والآية مسوقة مساق الامتنان ، فلذلك قال تعالى : لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ لأنا لا نحب فساد الأرض ، إذ في فسادها - بمعنى فساد ما عليها - اختلال نظامنا وذهاب أسباب سعادتنا ، ولذلك عقبه بقوله : وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ فهو استدراك مما تضمنته « لولا » من تقدير انتفاء الدفاع ؛ لأن أصل لولا لو مع لا النافية ، أي لو كان انتفاء الدفاع موجودا لفسدت الأرض وهذا الاستدراك في هذه الآية أدل دليل على تركيب ( لولا ) من ( لو ) و ( لا ) ، إذ لا يتم الاستدراك على قوله : لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ لأن فساد الأرض غير واقع بعد فرض وجود الدفاع ، إن قلنا « لولا » حرف امتناع لوجود . وعلق الفضل بالعالمين كلهم لأن هذه المنة لا تختص . [ 252 ] [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 252 ] تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ( 252 ) الإشارة إلى ما تضمنته القصص الماضية وما فيها من العبر ، ولكن الحكم العالية في قوله : وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ [ البقرة : 251 ] ، وقد نزّلها منزلة المشاهد لوضوحها وبيانها وجعلت آيات لأنها دلائل على عظم تصرف اللّه تعالى وعلى سعة علمه .